يشهد قطاع الشركات الناشئة فى مصر ومنطقة الشرق الأوسط طفرة كمَّية ملحوظة، إلا أن هذه الظاهرة تخفى تحديات هيكلية تهدد استدامة الكثير منها وتعيق قدرتها على النمو كما تضعف من جاذبيتها أمام المستثمرين.
ويرى عدد من الخبراء فى مجال الشركات الناشئة وصناديق رأسمال المخاطر أن الكثير من الشركات يعتمد على تكرار نماذج الأعمال واستيراد حلول جاهزة دون ابتكار فعلى كما أن السوق تشهد تحوّل المستثمرين نحو دول “المحيط الأزرق” بحثًا عن الفرص غير المستغلة، وتركيزهم على الاستدامة والربحية بدلًا من الانبهار بالنمو السريع.
كما انتقد البعض “هوس الجولات الاستثمارية” والمبالغة فى تقييم الشركات، مؤكدين أن هذا التوجه يضع ضغوطًا غير واقعية على فرق العمل، لافتين فى الوقت ذاته إلى أن نسب الفشل المرتفعة أمر طبيعى فى بيئة ريادة الأعمال، مستبعدين فكرة وجود “فقاعة” وأن السوق تعانى من اختلالات ناتجة عن حداثة التجربة، مشددين على أهمية تطوير البنية التشريعية بدلًا من الاكتفاء بالمظاهر الإعلامية، ومحذرين من اندفاع الشباب نحو ريادة الأعمال دون استعداد حقيقى.
فيما أكد البعض منهم أن السوق تفتقر إلى شركات مؤهلة فعليًا للاستثمار، رغم وجود العدد الكبير منها.
حلول متشابهة
قالت كلارا سمان، مديرة برامج “راية فيوتشر تك” إن المشهد الريادى فى مصر والمنطقة شهد خلال العقد الأخير طفرة فى أعداد الشركات الناشئة، ما خلق بيئة تنافسية محتدمة دفعت المستثمرين المحليين والدوليين إلى تبنى نهج أكثر حذرًا عند اتخاذ قرارات التمويل.
وأشارت إلى أن عددًا من رواد الأعمال باتوا يتجهون نحو “تمصير” حلول طُبقت فى أسواق خارجية، لتلائم السياق المحلى ثقافيًا وسلوكيًا، معتبرة أن هذا التوجه لا يتعارض بالضرورة مع الابتكار، بل قد يشكل عنصر قوة إذا ما نُفذ بذكاء ووفق فهم عميق للسوق المحلية.
وحذّرت من أن بعض الشركات الناشئة باتت تكرر نماذج أعمال مكررة وتتبنى حلولًا متشابهة، ما يشكل إشارة خطر لدى المستثمرين، الذين أصبحوا أكثر وعيًا وصرامة فى تقييم فرص التمويل.
وأوضحت أن المستثمرين اليوم يميلون إلى بيئات “المحيط الأزرق” أى الأسواق الجديدة أو غير المزدحمة بالمنافسين حيث تقل المنافسة وتبرز الفرص، بدلًا من أسواق المحيط الأحمر المشبعة باللاعبين الذين يتنافسون على حصص محدودة ويتصارعون على الشريحة نفسها من العملاء، مما يقلل فرص النجاح ويضعف كفاءة اختراق السوق.
وشددت على أن المستثمرين باتوا أكثر تركيزًا على عناصر الاستدامة والربحية طويلة الأمد، بدلًا من الانبهار بنسب النمو المرتفعة قصيرة الأجل أو الوعود الطموحة غير المدعومة بخطط تشغيلية واضحة ونماذج أعمال واقعية.
وأضافت أن التجربة أثبتت أن بعض المستثمرين ضخوا أموالًا فى شركات لم تف بوعودها، ما عزز من نضجهم ودفعهم لإعادة توجيه بوصلتهم نحو الشركات القادرة فعليًا على النمو المستدام وتحقيق عوائد مجزية.
وفى الوقت الذى تؤكد فيه أن شهية الاستثمار لا تزال موجودة، وأن الأموال المتاحة للتمويل فى ازدياد، إلا أنها أوضحت أن هذا لا يعنى أن جميع الشركات الناشئة قادرة على جذب الاستثمار، فالكثير منها يعانى من نماذج أعمال لا تتوافق مع احتياجات السوق، أو من غياب للرؤية الاستراتيجية والشفافية المالية، وهو ما يظهر بوضوح خلال مراحل “الفحص النافى للجهالة”، حيث تُكتشف معلومات جوهرية لم يُفصح عنها مسبقًا من قبل المؤسسين.
وانتقدت ما وصفته بـ”هوس الجولات الاستثمارية” الذى بات يهيمن على بعض الشركات الناشئة فى المنطقة، حيث تركز على جذب التمويل أكثر من تطوير منتجاتها أو بناء نموذج أعمال مستدام يحقق ربحية حقيقية.
كما حذّرت من المبالغة فى تقييم الشركات، مؤكدة أن التقييمات المرتفعة قد ترتد سلبًا على فرق العمل، إذ يدفع المستثمرون حينها بشروط صارمة ومستهدفات قد تكون غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع.
وحول أبرز الاتجاهات الاستثمارية، لفتت “السمان” إلى أن اهتمام المستثمرين بات يتجه بشكل متزايد نحو الشركات التى تقدم حلولًا تعتمد على الذكاء الاصطناعى، إضافة إلى قطاعات مثل التكنولوجيا الصحية، والتكنولوجيا الزراعية، والتصنيع، وسلاسل الإمداد المدعومة بالتقنيات الحديثة.
واختتمت “سمان” حديثها بالتأكيد على أنه رغم التباطؤ النسبى فى حجم التمويلات الموجهة للشركات المصرية خلال 2023 و2024، مقارنة بالطفرة الملحوظة التى شهدتها السوق فى 2021 و2022، مما أدى إلى شعور بعض رواد الأعمال بالإحباط، فإن مصر لا تزال تُعد من أبرز الأسواق فى منطقة الشرق الأوسط من حيث الإمكانات والطاقات الشابة كما شددت على أهمية دعم هذه المواهب وتوفير البيئة الملائمة التى تتيح لها النمو والانطلاق نحو تحقيق إنجازات حقيقية.
إخفاقات طبيعية
أكد الدكتور خالد إسماعيل، الشريك المؤسس بصندوق “هيم إنجلز” للاستثمار فى مشروعات رأسمال المخاطر، أن معدلات الفشل المرتفعة فى قطاع الشركات الناشئة تُعد سمة طبيعية لهذا النوع من البيئات، وليست ظاهرة مقصورة على السوق المصرية وحدها، بل هى واقع عالمى تعكسه طبيعة هذا القطاع الديناميكى.
وأضاف: وجود عدد كبير من الشركات الناشئة، مع فشل النسبة الأكبر منها، أمر شائع ومعروف دوليًا، ولا يعنى بالضرورة وجود فقاعة اقتصادية فى هذا القطاع.
وأوضح أن كثيرًا من الشركات الناشئة تُبنى على أفكار تبدو واعدة فى بدايتها، وقد تجذب بالفعل انتباه بعض المستثمرين، إلا أنها تُثبت لاحقًا عدم ملاءمتها للسوق.
وأشار إلى ظاهرة لافتة فى السوق المصرية، تتمثل فى وجود شركات وصفها بأنها “شبه فاشلة”، لا تحقق نموًا ملموسًا لكنها تظل باقية فى السوق لفترات طويلة تصل من 7 إلى 10 سنوات دون إغلاق رسمى، مما يخلق صورة مشوهة لمعدلات الفشل والنجاح فى القطاع.
ولفت إلى التفاوت الكبير فى توزيع التمويلات داخل السوق المحلية، موضحًا أن ما يقرب من %80 من رؤوس الأموال المُضَخّة فى مجال ريادة الأعمال تذهب لصالح عدد محدود من الشركات الكبيرة التى نجحت فى بناء سمعة قوية، بينما تعانى آلاف الشركات الناشئة، خاصة فى مراحلها الأولى، من نقص حاد فى التمويل والدعم.
وأشار إلى أن السوق المصرية ماتزال فى طور التكوين من حيث بيئة ريادة الأعمال، إذ لا تتجاوز خبرته الجادة فى هذا المجال العقد الأخير، مقارنةً بأسواق ناضجة مثل الولايات المتحدة التى تمتلك تراكمًا معرفيًا ومؤسسيًا يتجاوز 80 عامًا.
وشدد على ضرورة تركيز الجهود نحو تطوير البنية التشريعية وتقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين ورواد الأعمال، بدلاً من الانشغال بالمظاهر الشكلية مثل تنظيم المؤتمرات والقمم والبرامج التى تتناول ريادة الأعمال بصورة سطحية دون معالجة جوهرية للتحديات الفعلية التى تواجه القطاع.
وبين أن هذا المجال رغم جاذبيته المتزايدة بين الشباب، مازال غير مناسب للجميع، ولا ينبغى اعتباره المسار الأمثل لكل من يسعى إلى النجاح المهنى أو المالى، موضحًا أن ريادة الأعمال، مثل أى مجال مهنى آخر، تحتاج إلى مواصفات شخصية خاصة، يأتى فى مقدمتها التحمل العالى للضغوط، والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة فى ظل عدم اليقين، فضلًا عن الإصرار والمثابرة المستمرة.
ولفت إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الشباب يندفعون نحو عالم ريادة الأعمال بدافع الحماس أو الانبهار بالنماذج الناجحة، دون أن يسبق ذلك تقييم واقعى للذات أو دراسة متعمقة لطبيعة التحديات التى يفرضها هذا المسار.
وأضاف: “كثيرون يقبلون على هذا المجال دون أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانوا مستعدين فعلاً لتحمل مسؤولية المشروع، أو الالتزام به على المدى الطويل، وهو ما يؤدى فى كثير من الحالات إلى انسحاب مبكر أو فشل المشروع”.
وأكد “إسماعيل” أن النجاح فى ريادة الأعمال لا يعتمد فقط على الفكرة الجيدة أو التمويل، بل على الشخصية القادرة على المواصلة فى وجه التحديات اليومية، واتخاذ القرارات الصعبة، وتحمل الإخفاقات المؤقتة، مضيفًا أن الدأب والإصرار ليسا صفات مكملة لريادى الأعمال، بل من صلب متطلبات النجاح فى هذا المجال شديد التنافسية.
ضعف الأفكار
قال كريم على، المؤسس والرئيس التنفيذى لـ “كينكو” للاستثمار فى المشروعات الناشئة والشركات الصغيرة ومتناهية الصغر، إن التحدى الرئيسى الذى يواجه قطاع الشركات الناشئة فى مصر لا يكمن فى الأعداد الكبيرة لها، بل فى ضعف الجودة، سواء من حيث الإدارة أو المنتجات أو الخبرات المؤسسية.
ولفت إلى أن مصر بعيدة كل البعد عن فكرة “فقاعة الشركات الناشئة”، موضحًا أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لسوق ما زالت فى مرحلة ما قبل النضوج.
وأوضح أن عددًا كبيرًا من الشركات الناشئة المصرية لديه خلل فى جودة الإدارة وتعانى من تدنى جودة المنتجات، سواء كانت تقنية أو استهلاكية.
وأضاف: “نحن فى منطقة الشرق الأوسط نفتقر إلى الدقة والجودة فى الإنتاج، وهذه إحدى أبرز العقبات التى تعيق انتقال الشركات من مرحلة النشأة إلى النمو الحقيقى”.
وأشار إلى أن وجود رواد أعمال يمتلكون خلفيات مهنية قوية، سواء من خلال العمل فى شركات متعددة الجنسيات أو فى أسواق متقدمة كأوروبا والخليج، يساهم بشكل مباشر فى رفع جودة المشاريع الناشئة، لافتًا إلى أن صناديق رأس المال المخاطر تعتمد بشكل كبير على تقييم خبرات الفريق عند اتخاذ قرارات الاستثمار، ما يجعل الخلفية المؤسسية أحد عوامل التميز الأساسية.
وشدد على أن السوق المصرية تعانى من نقص واضح فى ما يُعرف بالـ Know- How المرتبط ببناء الشركات الناشئة التكنولوجية، مرجعًا ذلك إلى حداثة التجربة المصرية فى هذا القطاع، مضيفًا أن عدد عمليات التخارج سواء عبر الطروحات فى البورصة أو من خلال صفقات الاستحواذ لا يزال محدودًا للغاية، مقارنة بأسواق أكثر نضجًا.
كما أشاد بالخطوات التى اتخذتها الدولة لتحسين مناخ ريادة الأعمال، وعلى رأسها الحوافز الضريبية والإجراءات التشجيعية، لكنه أشار فى المقابل إلى أن مؤشر سهولة تأسيس الشركات لا يزال منخفضًا.
وقال إنه يمكن تأسيس شركة فى دبى على سبيل المثال خلال نصف ساعة فقط، بينما لا تزال الإجراءات فى مصر تمثل عائقًا غير مباشر أمام بيئة الاستثمار.
وفى ختام حديثه، أكد أن البيئة الريادية فى مصر بحاجة إلى عقلية جديدة تركز على الإنتاجية العالية والجودة المتقنة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة تعجز عن الانتقال إلى مرحلة النمو، مما يخلق انطباعًا خاطئًا بوجود “فقاعة”، بينما السبب الحقيقى هو غياب الأسس الصلبة لبناء شركات قادرة على التوسع داعيًا إلى تعزيز التعليم الريادى القائم على المزج بين الجوانب النظرية والتطبيق العملى، وتحسين جودة المنتجات، وتغيير ثقافة إدارة الأعمال والاستثمار بما يتناسب مع متطلبات السوق الحديث.
المؤهلون للاستثمار
قالت أميرة سويلم، مدير العمليات بشركة “دن” “لاستثمار رأسمال المخاطر، إن السوق المصرية مازالت بحاجة إلى المزيد من الشركات الناشئة، شريطة أن تكون قائمة على أفكار حقيقية تُعالج مشكلات فعلية فى السوق، وتتمتع بمعايير واضحة ومنضبطة تضمن قدرتها على الاستمرار والنمو.
وأضافت أن عددًا كبيرًا من الشركات الناشئة المصرية الحالية يفتقر إلى رؤية واضحة أو منتج حقيقى قابل للتطور واختراق أسواق خارجية.
وبينت أن صناديق رأس المال المخاطر فى مصر تواجه تحديًا حقيقيًا فى العثور على شركات ناشئة مؤهلة لضخ الاستثمارات بها، موضحة أن كثيرًا من هذه الشركات تفتقر إلى المقومات الأساسية المطلوبة لجذب التمويل، مثل القدرة على التوسع السريع، وامتلاك رؤية استراتيجية واضحة، بالإضافة إلى القابلية للانتشار إقليميًا وعالميًا.
كما شددت على أهمية توفر عناصر التنافسية العالمية لدى أى شركة تتطلع إلى جذب استثمارات جادة.
وقالت: وجود عدد كبير من الشركات الناشئة هو سمة طبيعية فى هذا القطاع، ولا تُعد أمرًا سلبيًا فى حد ذاته، مؤكدة أن هذا النمط شائع عالميًا، وليس محصورًا فى مصر أو منطقة الشرق الأوسط.
وأوضحت أن بعض الشركات الناشئة تُبنى على أسس حقيقية وقوية، بينما يعتمد البعض الآخر على التمويلات الخارجية دون وجود منتج فعلى أو قيمة مضافة واضحة، وهو ما يخلق صورة غير دقيقة عن صحة السوق.
واختتمت سويلم حديثها بالتأكيد على أن النضج الحقيقى لسوق ريادة الأعمال فى مصر لن يتحقق إلا من خلال تطوير البنية القانونية والتشريعية بشكل يضبط السوق ويقلل من الفوضى موضحة أنه كلما أصبح الإطار التنظيمى أكثر انضباطًا وشفافية، كلما تمكنا من بناء سوق ريادية حقيقية تعتمد على الابتكار، وتجذب الاستثمارات بشكل مستدام.
سمان: رواد أعمال اتجهوا لتمصير حلول مطابقة للخارج
إسماعيل: هناك كيانات «شبه فاشلة» تستمر لسنوات طويلة
علي: أغلبها يعجز عن الانتقال لمرحلة النمو
سويلم: يجب تطوير البنية التشريعية لضبط السوق ومواجهة الفوضى